عماد الدين خليل

50

المستشرقون والسيرة النبوية

لكننا مع ذلك يجب ألا نذهب في حسن الظن إلى المدى . . لأن الرجل بسبب من إلحاحه على التجريب في ميدان الوقائع ؛ يرغمها - أحيانا - على أن تتكلّم ، على أن تقول أيّ شيء حتى لو كان مناقضا للتيّار الأوسع والأعمق لحركة العصر الذي تتدفق عبره تلك الجزئيات التاريخية . ويقينا فإن الكثير من استنتاجات ( وات ) ، بإحالتها على الأرضية التاريخية الشاملة التي تنتمي إليها الوقائع التي شكّلت الاستنتاج ، سوف ترتطم بالكثير من المسلّمات والبداهات ! ! ولا نريد أن نواصل اتّهام الرجل بهذه الخطيئة أو تلك فنقع في مظنة المبالغة والهوى . . والأحكام المسبقة . . ولكننا بدلا من ذلك سنسعى إلى اختبار معطياته لنعرف ما إذا كانت قد تضمّنت واحدا أو أكثر من الأخطاء المنهجيّة التي مارسها معظم المستشرقين في حقل السيرة . . وحينذاك فقط يمكن أن يكون الحكم أقرب إلى الصواب . وسيحاول البحث أن يتجنّب الدخول - قدر الإمكان - في مناقشة التفاصيل والجزئيات ، أو حتى الرد أو المناقشة المتوازية مع كل مقولة قد تتضمن خطأ ما . . إنما ينصبّ الاهتمام على تحديد الجذور المنهجية وتنفيذها على الموضوع من قبل ( وات ) . . وقد لا يستلزم كل شاهد مناقشة أو ردا ما دام أن مهمة هذا البحث ليست دراسة حقائق السيرة ، وإنما مناهج التعامل معها « 1 » . إن بمقدور المرء أن يتلمس عبر قراءته لكتاب ( محمد في مكة ) اثنتين من تلك الثغرات المنهجية التي تتردد في معطيات المستشرقين . . تتمثّل أولاهما في ذلك الانسياق وراء النزعة النقدية التي تبلغ على أيدي بعضهم حدّ النفي الكيفي للروايات أو إثارة الشكوك حول صحتها . . وتتمثّل ثانيتهما في إسقاط الرؤية والمواضعات المعاصرة ، ذات الطابع النسبي ، على الوقائع

--> ( 1 ) يمكن الرجوع في هذا المجال لكتاب للمؤلف بعنوان : ( دراسة في السيرة ) .